محمود محمود الغراب

14

الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر

العالم إلا وهي في الإنسان ، فهو الكلمة الجامعة وهو المختصر الشريف ، وجعل الحقائق الإلهية التي توجهت على إيجاد العالم بأسره ، متوجهة على إيجاد هذه النشأة الإنسانية الإمامية ، فخلق اللّه تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، وأبرزه نسخة كاملة جامعة لصور حقائق المحدث وأسماء القديم ، أقامه سبحانه معنى رابطا للحقيقتين ، وأنشأه برزخا جامعا للطرفين والرقيقتين ، أحكم بيديه صنعته ، وحسن بعنايته صبغته ، وكانت مضاهاته للأسماء الإلهية بخلقه ، ومضاهاته للأكوان العلوية والسفلية بخلقه ، فتميز عن جميع الخلائق ، بالخلقة المستقيمة والخلائق ، عيّن سبحانه سره مثالا في حضرة الأسرار ، وميز نوره من بين سائر الأنوار . ونصب له كرسي العناية بين حضرتيه ، وصرف نظر الولاية والنيابة فيه وإليه . ( ف ج 4 / 21 - ج 3 / 437 ، 447 - ج 4 / 230 ، 231 ، 132 ، 230 ، 231 - ج 3 / 152 - كتاب عقلة المستوفز ) . الإنسان الكامل أعظم رحمة من كل مخلوق لأنه ظل اللّه في أرضه : خلق الحق الإنسان الكامل على صورته ، ونصبه دليلا على نفسه ، لمن أراد أن يعرفه بطريق المشاهدة لا بطريق الفكر ، الذي هو طريق الرؤية في آيات الآفاق ، وهو قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ ثم لم يكتف بالتعريف حتى أحال على الإنسان الكامل ، الذي نصبه دليلا أقرب على العلم بطريق الكشف والشهود ، فإن الإنسان لما كان مثال الصورة الإلهية ، كالظل للشخص الذي لا يفارقه على كل حال ، غير أنه يظهر للحس تارة ويخفى تارة ، فإذا خفى فهو معقول فيه ، وإذا ظهر فهو مشهود بالبصر لمن يراه ، فالإنسان الكامل في الحق معقول فيه ، كالظل إذا خفي في الشمس فلا يظهر ، فلم يزل الإنسان أزلا وأبدا ، ولهذا كان مشهودا للحق من كونه موصوفا بأن له بصرا ، فلما مد الظل منه ظهر بصورته أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي ثابتا فيمن هو ظله ، فلا يمده ، فلا يظهر له عين في الوجود الحسي إلا للّه وحده ، فلم يزل مع اللّه ولا يزال مع اللّه ، فهو باق ببقاء اللّه ، وما عدا الإنسان الكامل فهو باق بإبقاء اللّه ، فقال أهل الشهود كفانا أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فذكر الكيف ، والظل لا يخرج إلا على صورة من مده منه ، فخلقه رحمة ، فمد الظل رحمة واقية ، فلا مخلوق أعظم رحمة من